لماذا تعود شركات الذكاء الاصطناعي إلى الكتب القديمة؟.. القصة الكاملة وراء البحث عن «المحتوى البشري»
سباق جديد على البيانات الأصلية يفتح الباب أمام سؤال مثير: هل أصبحت الكتب المطبوعة كنزًا نادرًا في عصر الذكاء الاصطناعي؟

كتب حاتم محمد
حكاية بدأت من سوق الكتب
في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا حول العالم لتطوير نماذج أكثر ذكاءً وقدرة على إنتاج النصوص والصور وتحليل المعلومات، ظهرت في سوق الكتب القديمة ظاهرة لافتة للنظر تستحق التوقف أمامها.
باعة الكتب المستعملة والنادرة تحدثوا، بحسب تحقيقات صحفية، عن طلبات كبيرة وغير معتادة للحصول على كتب قديمة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول الجهات التي تقف خلف هذه المشتريات، والأسباب التي تجعل الكتب المطبوعة منذ سنوات تحظى بهذا الاهتمام في زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة بضغطة زر عبر الإنترنت.
وهنا تبدأ القصة الأكثر إثارة.
من رفوف المكتبات إلى عالم التكنولوجيا
وفقًا لما نشرته منصة 404 Media، حاول بعض العاملين في تجارة الكتب النادرة تتبع مسار إحدى الشحنات لمعرفة وجهتها النهائية.
وتناولت التقارير واقعة وضع جهاز تتبع داخل أحد الكتب، لتكشف الرحلة عن وصول الشحنة إلى منشأة تابعة لشركة أمازون في مدينة لاس فيجاس.
هذه الواقعة، كما عرضتها التقارير الصحفية، فتحت الباب أمام أسئلة أكبر حول الطريقة التي يمكن أن تستفيد بها شركات التكنولوجيا من الكتب المطبوعة، خصوصًا الكتب القديمة التي تحتوي على نصوص بشرية كُتبت قبل الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
عندما تتحول الصفحات إلى معلومات رقمية
أحد أكثر الجوانب إثارة في القصة هو الحديث عن عمليات مسح ضوئي للكتب وتحويل محتوياتها من صفحات ورقية إلى بيانات رقمية.
وبعيدًا عن التفاصيل الخاصة بكل منشأة أو شركة، فإن تحويل الكتب إلى بيانات ليس أمرًا جديدًا في عالم التكنولوجيا؛ إذ تعتمد المؤسسات منذ سنوات على الرقمنة لتحويل المحتوى الورقي إلى نصوص قابلة للبحث والمعالجة بواسطة الحواسيب.
لكن الجديد في سياق الذكاء الاصطناعي هو ارتفاع قيمة البيانات عالية الجودة، خصوصًا عندما تكون هذه البيانات أصلية ومتنوعة وتمثل إنتاجًا بشريًا سابقًا على عصر المحتوى المولّد آليًا.
لماذا أصبحت البيانات القديمة مهمة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا: إذا كان الإنترنت يحتوي على مليارات الصفحات، فلماذا تحتاج شركات التكنولوجيا إلى كتب قديمة؟
الإجابة تكمن في طبيعة البيانات نفسها.
نماذج الذكاء الاصطناعي لا تتعلم من «المعلومات» بصورة مجردة، وإنما تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات حتى تتمكن من اكتشاف الأنماط وبناء قدراتها اللغوية والمعرفية.
ومع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت نسبة متزايدة من المحتوى المنشور على الإنترنت مولدة أو معدلة بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي.
وهذا يطرح تحديًا جديدًا أمام صناعة التكنولوجيا: ماذا يحدث عندما تبدأ النماذج الجديدة في الاعتماد بصورة متزايدة على محتوى أنتجته نماذج سابقة؟
«انهيار النموذج».. الخطر الذي يراقبه الباحثون
هنا يظهر مصطلح Model Collapse أو «انهيار النموذج»، وهو مفهوم بحثي يرتبط بالمخاطر المحتملة الناتجة عن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات مولدة بواسطة نماذج أخرى.
الفكرة ببساطة أن الاعتماد المتكرر على البيانات الاصطناعية، في بعض الظروف، قد يؤدي إلى فقدان جزء من التنوع والمعلومات الموجودة في البيانات الأصلية، وهو ما يمكن أن يؤثر في أداء النموذج وجودة مخرجاته.
ولا يعني ذلك أن كل استخدام للبيانات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يؤدي تلقائيًا إلى انهيار النماذج، لكن الظاهرة أصبحت موضوعًا مهمًا في أبحاث الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع النمو الهائل للمحتوى المولد آليًا.
الكتاب القديم.. مصدر بشري لا يتكرر
من هنا يمكن فهم جزء من القيمة الجديدة التي تكتسبها الكتب القديمة.
فالكتاب الذي كُتب وطُبع قبل عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل مصدرًا من مصادر المحتوى البشري الذي لم يكن ناتجًا عن نماذج لغوية حديثة.
وعندما يتم تحويل هذا المحتوى إلى صيغة رقمية، يصبح بالإمكان معالجته وفهرسته واستخدامه في تطبيقات رقمية مختلفة، وفقًا للحقوق والتراخيص المتاحة لكل محتوى.
وهكذا ينتقل الكتاب من كونه منتجًا ثقافيًا موجودًا على رف مكتبة، إلى أصل رقمي يمكن أن تكون له قيمة مختلفة تمامًا في اقتصاد البيانات.
ليست كل الكتب مخصصة للذكاء الاصطناعي
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة حتى لا تتحول القصة إلى استنتاجات غير دقيقة.
وجود عمليات شراء أو رقمنة للكتب لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الكتب تستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، كما أن الوصول إلى محتوى كتاب أو رقمنته لا يعني تلقائيًا امتلاك الحق في استخدامه لأي غرض.
وتظل حقوق الملكية الفكرية، والتراخيص، وطريقة الحصول على المحتوى، والهدف من استخدامه، عوامل أساسية في تحديد الإطار القانوني لأي عملية رقمنة أو استخدام للبيانات.
لذلك، فإن القضية الأوسع ليست اتهام جهة بعينها، وإنما فهم التحول الكبير الذي تشهده سوق البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي.
معركة التكنولوجيا المقبلة ليست على الرقائق فقط
لسنوات طويلة، ارتبطت قوة شركات التكنولوجيا بامتلاك المعالجات ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
أما اليوم، فأصبحت البيانات واحدة من أهم عناصر المنافسة.
الشركة التي تمتلك القدرة على الوصول إلى بيانات واسعة ومتنوعة وعالية الجودة تستطيع أن تمنح نماذجها مادة أفضل للتعلم والتطوير.
ولهذا لم يعد السؤال فقط: من يمتلك أكبر نموذج للذكاء الاصطناعي؟
بل أصبح هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
من يمتلك أفضل البيانات التي يمكن أن يتعلم منها هذا النموذج؟
مفارقة تكنولوجية لافتة
المفارقة هنا تستحق التأمل.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه الآلات قادرة على كتابة المقالات والقصص وإنتاج الصور والبرمجيات خلال ثوانٍ، بدأت صناعة التكنولوجيا في الاهتمام بصورة أكبر بالمحتوى الذي أنتجه البشر قبل انتشار هذه الأدوات.
وهذا يعني أن بعض ما نعتبره اليوم «قديمًا» قد يتحول إلى قيمة استراتيجية في المستقبل.
كتاب قديم، أو وثيقة ورقية، أو نص كتبه إنسان منذ سنوات، قد يحمل قيمة مختلفة عندما يصبح السؤال هو: هل هذا المحتوى بشري وأصلي أم أنه نتاج خوارزمية؟
هل تصبح الكتب النادرة وقودًا للمستقبل؟
لا يمكن الجزم بأن موجة شراء الكتب القديمة تعني وجود خطة موحدة لدى شركات الذكاء الاصطناعي للاستحواذ على الكتب النادرة، كما لا يمكن اختزال القصة كلها في شركة واحدة.
لكن المؤكد أن صناعة الذكاء الاصطناعي تواجه معركة متزايدة حول جودة البيانات ومصادرها.
ومع استمرار امتلاء الإنترنت بالمحتوى المولد بواسطة الآلات، قد تزداد أهمية المصادر البشرية القديمة، ليس لأنها «أفضل» دائمًا، وإنما لأنها توفر نوعًا مختلفًا من البيانات التي يمكن أن تساعد الباحثين والشركات على بناء مجموعات بيانات أكثر تنوعًا.
السؤال الذي يتركه المستقبل
ربما تكون أغرب مفارقات عصر الذكاء الإصطناعي أن التكنولوجيا التي جعلت إنتاج الكلمات أسهل وأسرع من أي وقت مضى، قد تجد نفسها في حاجة إلى الكلمات التي كتبها البشر قبل أن تبدأ الآلات في الكتابة.
وهنا لا تصبح قصة الكتب القديمة مجرد حكاية عن سوق للكتب النادرة، وإنما نافذة على معركة أكبر تدور خلف شاشاتنا: معركة الحصول على بيانات موثوقة ومتنوعة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتعلم منها دون أن يفقد صلته بالمحتوى البشري الأصلي.
وفي نهاية المطاف، قد يظل الكتاب الورقي الذي ظن البعض أن التكنولوجيا ستتجاوزه، محتفظًا بقيمة جديدة وغير متوقعة؛ ليس فقط باعتباره وعاءً للمعرفة، وإنما باعتباره شاهدًا على عصر كانت فيه الكلمات تُكتب قبل أن تتعلم الآلات كيف تكتبها.



