خريطة طريق لمستقبل التشغيل في مصر: كيف يواجه معهد التخطيط القومي الفجوة المهارية وتحولات الذكاء الاصطناعي والتنمية الخضراء؟

كتب حاتم محمد
أصدر معهد التخطيط القومي موجز سياسات جديدًا بعنوان: «سوق العمل المصري: الفجوة بين العرض والطلب.. التأثيرات التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والتحول الأخضر، والتغيرات الديموغرافية، وتوطين التنمية الاقتصادية في مصر»، متضمنًا رؤية شاملة ومتكاملة لسد الفجوة المهارية ومواكبة توجه الدولة نحو توطين التنمية الاقتصادية الشاملة وتحقيق التنمية المستدامة.
تحول مفهوم الفجوة من “الكم” إلى “المهارة”
وانطلق الموجز من قراءة تحليلية للتحولات الهيكلية المتسارعة التي يمر بها سوق العمل المصري، مؤكدًا أن فجوة العرض والطلب لم تعد تُفسَّر في إطارها الكمي التقليدي، المتمثل في الفارق بين أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل والوظائف المستحدثة، وإنما باتت تعكس اختلالات أكثر عمقًا في مواءمة المهارات وكفاءة الأطر المؤسسية. وأشار التقرير إلى أن حسم هذه الاختلالات يعتمد على مدى قدرة منظومات التعليم والتدريب والجامعات والسياسات والتشريعات على الاستجابة للتحولات المتلاحقة في بنية الاقتصاد وطبيعة المهن والمهارات التي يفرضها سوق العمل الجديد.
21.3 مليون شاب ورهان الاستقرار الاجتماعي
وأوضح الموجز أن مصر تمتلك كتلة شبابية كبيرة؛ إذ بلغ عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا نحو 21.3 مليون شاب وشابة في عام 2025، بما يجعل قضية خلق فرص عمل لائقة ومنتجة، ورفع قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة. وأشار إلى أن أعداد الداخلين الجدد إلى قوة العمل مرشحة للارتفاع خلال السنوات المقبلة، بما يضاعف أهمية تحسين مواءمة المهارات مع احتياجات الاقتصاد، والحد من مخاطر البطالة الهيكلية واتساع نطاق التشغيل غير الرسمي منخفض الإنتاجية.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي: فرصة لإعادة تشكيل المهارات
وحول التأثيرات التكنولوجية، أوضح الموجز أن التحولات الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي لا يمثلان تهديدًا للوظائف فحسب، بل يعيدان تشكيل طبيعة العمل وهيكل المهارات المطلوبة بأكمله. وبينما قد تؤدي الأتمتة إلى تراجع بعض الوظائف التقليدية، فإنها تتيح في المقابل فرصًا واعدة ومستحدثة في مجالات الاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة، وهو ما يستدعي تعزيز جاهزية القوى العاملة لاكتساب مهارات المستقبل، وتطوير منظومتي التعليم والتدريب بما يتلاءم مع متطلبات اقتصاد المعرفة والتحولات المتسارعة في سوق العمل.
التحول الأخضر ومسارات الوظائف المستدامة
وتطرق الموجز إلى ما يتيحه التحول الأخضر من فرص استراتيجية لإعادة تشكيل هيكل الطلب على العمل، من خلال نمو الوظائف المرتبطة بالطاقة المتجددة، والزراعة الذكية مناخيًا، وإدارة المخلفات، وكفاءة الطاقة، والخدمات اللوجستية المستدامة. وشدد المعهد على أن الاستفادة من هذه الفرص تظل مرهونة بتطوير منظومة متكاملة للمهارات الخضراء، وتوسيع دور التعليم الفني والتدريب المهني، وربط برامج التأهيل بالاحتياجات الفعلية للقطاعات الاقتصادية والمشروعات الجديدة.
توطين التنمية الاقتصادية وإعادة التوزيع الجغرافي للوظائف
وفيما يتعلق بتوطين التنمية الاقتصادية، لفت الموجز إلى أن التوسع في المشروعات القومية والمدن الجديدة وشبكات الطرق والمناطق الاقتصادية ومشروعات الاستصلاح الزراعي يوفر فرصًا جوهرية لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي والوظائف جغرافيًا، مؤكدًا ضرورة تعزيز الربط بين هذه المشروعات وسلاسل القيمة المحلية، وتوجيه الاستثمارات كثيفة التشغيل نحو الأقاليم الأقل حظًا، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تأهيل أبناء المحافظات المستهدفة لشغل الوظائف التي تتيحها المشروعات المنفذة في نطاقهم الجغرافي.
أربعة محاور رئيسية لبناء سوق عمل مرن حتى 2030
وخلص موجز السياسات إلى أن بناء سوق عمل أكثر مرونة وقدرة على التكيف حتى عام 2030 وما بعده يتطلب العمل المتزامن على أربعة محاور مترابطة، تشمل:
تطوير التشريعات: تحديث سياسات وقوانين سوق العمل وتطويرها.
تنمية المهارات: إصلاح منظومة التعليم الفني والجامعي والتدريب المهني.
دمج التحولات الرقمية والخضراء: ربط التحول الأخضر والرقمي بسياسات التشغيل.
الحوكمة والتوطين: تعزيز الحوكمة المحلية وتوطين التنمية الاقتصادية بالمحافظات.
الجامعات والمحافظات: منصات فاعلة لصناعة كوادر المستقبل
واختتم موجز السياسات بالتأكيد على أهمية تعزيز دور الجامعات في إعداد الكوادر المؤهلة للوظائف المستقبلية، من خلال تحديث البرامج الأكاديمية، وتوسيع مسارات التعليم التعاوني والتدريب الميداني، وإنشاء حاضنات أعمال إقليمية، وربط البحث العلمي بالمشكلات الإنتاجية المحلية والمشروعات القومية.
كما لفت إلى الدور المحوري للمحافظات بوصفها منصات فاعلة لتوطين التنمية وإعادة التوازن في سوق العمل، من خلال تطوير مراصد إقليمية للوظائف والمهارات، وتحديد القطاعات الواعدة والاحتياجات المحلية، وتعزيز الشراكة بين الإدارة المحلية والجامعات والمعاهد الفنية والقطاع الخاص.



